ابراهيم بن عمر البقاعي

490

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

والتباغض والنجاة من النار باجتناب السيئات ولذلك قالوا : وَذلِكَ أي الأمر العظيم جدا هُوَ أي وحده الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * فالآية من الاحتباك : ذكر إدخال الجنات أولا دليلا على حذف النجاة من النار ثانيا ، ووقاية السيئات ثانيا دليلا على التوفيق للصالحات أولا ، وسر ذلك التشويق إلى المحبوب - وهو الجنان - بعمل المحبوب - وهو الصالح - والتنفير من النيران باجتناب الممقوت من الأعمال ، وهو السيء ، فذكر المسبب أولا وحذف السبب لأنه لا سبب في الحقيقة إلا الرحمة ، وذكر السبب ثانيا في إدخال النار وحذف المسبب . ولما أتم حال الذين آمنوا ، فتشوفت النفس إلى معرفة ما لأضدادهم ، قال مستأنفا مؤكدا لإنكارهم هذه المناداة بانكار يومها : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أي أوقعوا الكفر ولو لحظة يُنادَوْنَ أي يوم القيامة بنداء يناديهم به من أراد اللّه من جنوده أو في هذه الدار بلسان الحال بهذا الكلام . ولما كان عندهم - لكونهم في هذه الدار أرفع نعما - أنهم آثر عند اللّه من فقراء المؤمنين ، أكد قوله : لَمَقْتُ اللَّهِ أي الملك الأعظم إياكم بخذلانكم أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ وقوله : أَنْفُسَكُمْ مثل قوله تعالى : انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ جاز على سبيل الإشارة إلى تنزه الحضرة المقدسة عما لزم فعلهم من المقت ، فإن من دعا إلى أحد فأعرض عنه إلى غيره كان إعراضه مقتا للمعرض عنه ، وهذا المقت منهم الموجب لمقت اللّه لهم موصل لهم إلى عذاب يمقتون به أنفسهم ، والمقت أشد البغض ؛ ثم ذكر ظرف مقتهم العائد وباله عليهم بقوله : إِذْ أي حين ، وأشار إلى أن الإيمان لظهور دلائله ينبغي أن يقبل من أي داع كان ، فبنى الفعل لما لم يسم فاعله فقال : تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ أي باللّه وما جاء من عنده فَتَكْفُرُونَ * أي فتوقعون الكفر الذي هو تغطية الآيات موضع إظهارها والإذعان بها ، وهذا أعظم العقاب عند أولي الألباب ، لأن من علم أن مولاه عليه غضبان علم أنه لا ينفعه بكاء ولا يغني عنه شفاعة ولا حيلة في خلاصه بوجه . ولما كان من أعظم ذنوبهم إنكار البعث ، وكانوا قد استقروا العوائد ، وسبروا ما جرت به الأقدار في الدهور والمدائد ، من أن كل ثان لا بد له من ثالث ، وكان الإحياء لا يطلق عرفا إلا من كان عن موت ، حكى سبحانه جوابهم بقوله الذي محطه الإقرار بالبعث والترفق بالاعتراف بالذنب حيث لا ينفع لفوات شرطه وهو الغيب : قالُوا رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا بما تقدم في دار الدنيا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ قيل : واحدة عند انقضاء الآجال في الحياة الدنيا وأخرى بالصعق بعد البعث أو الإرقاد بعد سؤال القبر ، والصحيح أن تفسيرها آية البقرة كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ